اخبار وتقارير

مسرحية الحوثي والشرعية.. من المستفيد من ضرب المعسكرات؟

في الوقت الذي تتصاعد فيه التصريحات عن الاستعداد لمعركة استعادة صنعاء وإنهاء سيطرة جماعة الحوثي، يبرز سؤال أكثر أهمية من كل الشعارات: هل ما يجري على الأرض مقدمة فعلية لمعركة تحرير صنعاء، أم أن هناك ترتيبات سياسية يجري فرضها تحت ضغط التصعيد العسكري؟

خلال الأيام الماضية، اتسعت دائرة الهجمات الحوثية لتشمل مواقع عسكرية في مأرب وحضرموت والساحل الغربي والضالع، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعًا منذ سنوات. وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات وعمليات رد على مواقع الحوثيين.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

هل نحن أمام معركة تحرير صنعاء؟

كثرت خلال الفترة الأخيرة الأحاديث عن التحضير لمعركة كبرى لاستعادة صنعاء، لكن المعركة الحقيقية لا تُقاس بالتصريحات الإعلامية، وإنما بحجم التحشيد، وخطط العمليات، وفتح الجبهات، وتأمين خطوط الإمداد، ووضوح الهدف السياسي والعسكري.

أما إذا كان التصعيد يتركز في ضرب معسكرات متفرقة ومواقع عسكرية دون تحول واضح في خريطة السيطرة، فمن حق المواطن اليمني أن يسأل: هل هذه مقدمات لمعركة كبرى، أم أوراق ضغط يجري استخدامها للوصول إلى ترتيبات سياسية جديدة؟

النفط والرواتب والأسرى.. هل تتقاطع الملفات؟

المثير للاهتمام أن التصعيد العسكري يأتي بالتزامن مع تحركات سياسية واقتصادية تتعلق بالنفط والرواتب.

فقد أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في يوليو الماضي العمل على استئناف تصدير النفط، وتوجيه عائداته نحو دفع الرواتب وتحسين الخدمات، بما في ذلك موظفو الدولة في المناطق الخاضعة للحوثيين.

وهذا يفتح الباب أمام سؤال سياسي مشروع:

هل يمكن أن يكون النفط والرواتب وملف الأسرى جزءًا من تسوية أوسع يجري التفاوض حولها، بينما تستخدم الجبهات العسكرية لرفع سقف الضغط قبل الإعلان عنها؟

لا توجد، حتى الآن، أدلة علنية كافية لإثبات وجود اتفاق سري بهذه الصورة، ولذلك فإن هذه النقطة تحتاج إلى تحقيق ووثائق، لا إلى مجرد تسريبات أو استنتاجات.

من المستفيد من استمرار عدم الاستقرار؟

إذا استمر التصعيد دون تحقيق تقدم عسكري حقيقي باتجاه صنعاء، فإن المستفيدين المحتملين ليسوا بالضرورة طرفًا واحدًا.

الحوثي قد يستفيد من إبقاء الحرب مفتوحة، وإظهار قدرته على الوصول إلى مناطق بعيدة عن خطوط التماس التقليدية، وإجبار خصومه على استنزاف الموارد في الدفاع بدل الهجوم.

وبعض الأطراف داخل معسكر الشرعية قد تستفيد سياسيًا من استمرار حالة الطوارئ وعدم الاستقرار، لأنها توفر غطاءً لتأجيل الاستحقاقات السياسية والاقتصادية، وتمرير ترتيبات وقرارات تحت عنوان «الظرف الاستثنائي».

أما التحالف بقيادة السعودية، فسيجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا: هل يدعم التصعيد حتى نهايته، أم يضغط باتجاه تسوية توقف استنزاف اليمن والمنطقة؟

والسؤال الأخطر: ماذا يحدث داخل المعسكرات؟

من أكثر النقاط التي تحتاج إلى تحقيق مستقل ما يثار حول بعض الضربات التي تستهدف معسكرات حكومية.

هناك من يتساءل: هل تكون بعض المواقع قد أُخليت مسبقًا من الأفراد والمعدات قبل استهدافها؟

إذا ثبتت هذه الفرضية في أي حالة، فستكون القضية أكبر من مجرد ضربة حوثية؛ لأنها تعني وجود خلل خطير في إدارة المعلومات العسكرية وحماية المعسكرات، وربما فسادًا أو تلاعبًا يستوجب التحقيق.

أما الحديث عن إخلاء جميع المعسكرات قبل ضربها أو عن تعمد تركها للنهب، فلا ينبغي تحويله إلى حقيقة إعلامية دون أدلة ميدانية ووثائق وشهادات موثوقة.

فإذا كان هناك معسكر يُضرب بعد إخلائه، ثم يعاد تسليحه لاحقًا، فإن السؤال يصبح:

من يدفع ثمن إعادة التسليح؟ ومن يستفيد من دورة الإخلاء والضرب وإعادة البناء؟

المواطن هو الخاسر الأول

وسط كل هذه الحسابات، يبقى المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف.

فالحرب تعني نزوحًا، وارتفاع الأسعار، وانهيار الخدمات، وتأخر الرواتب، وتعطيل الاقتصاد، بينما تتحول ملفات النفط والرواتب والأسرى والسياسة إلى أوراق تفاوض بين القوى المتصارعة.

ولهذا فإن المطلوب ليس المزيد من الشعارات عن «معركة تحرير صنعاء»، وإنما كشف الحقيقة كاملة أمام اليمنيين.

إذا كانت هناك معركة حقيقية لاستعادة الدولة، فليُعلن هدفها وخطتها وقيادتها ومراحلها.

وإذا كانت هناك تسوية سياسية قادمة، فليكن الشعب آخر من يعلم، لا أول من يدفع ثمنها.

وإذا كان النفط سيكون مقابل الرواتب، فليُكشف أين ستذهب الإيرادات وكيف ستُدار.

وإذا كان ملف الأسرى جزءًا من التسوية، فليُعلن للرأي العام.

أما أن تُترك الجبهات مشتعلة، والمعسكرات تُضرب، والجنود يدفعون الثمن، ثم يجري الحديث لاحقًا عن اتفاق سياسي جديد، فهنا يصبح السؤال مشروعًا:

هل نحن أمام معركة لتحرير صنعاء… أم أمام معركة ضغط لفرض تسوية جديدة؟

والسؤال الأهم من ذلك كله:

من المستفيد من استمرار هذه المسرحية، ومن يدفع ثمنها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى