حضرموت ليست «مشروعًا تجريبيًا».. فمن يملك الشرعية الشعبية فليثبتها في الميدان

حين يكون المشروع قائمًا والمخرجات واضحة.. يصبح السؤال مشروعًا: لماذا كل هذا الإصرار على صناعة بديل؟
حضرموت – هضبة نيوز | افتتاحية
في حضرموت، لم تعد القضية قضية أسماء أو مجالس جديدة تُضاف إلى المشهد، بقدر ما أصبحت قضية مشروع وقرار وتمثيل ونتائج.
ومن هنا، فإن الحديث عن إنشاء أطر جديدة تحت عنوان «التنسيق» و«توحيد الصف» يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات المشروعة: هل نحن أمام إضافة حقيقية للمشروع الحضرمي، أم أمام محاولة لإعادة ترتيب المشهد من جديد على حساب مشروع سبق أن تأسس وراكم تجربة ومواقف وتضحيات؟
الشيخ عمرو بن حبريش لم يكن يومًا بحاجة إلى أوراق معدّة بعناية ليشرح رؤيته لحضرموت. تحدث بوضوح، وبلا لغة سياسية مصطنعة، وطرح مشروع حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع باعتباره مسارًا حضرميًا تشكل عبر سنوات من العمل والتنسيق والنضال.
ومنذ انطلاق ذلك المسار، لم تكن القضية مجرد مؤتمرات وصور وبيانات.
كان هناك حضور على الأرض، ومواقف، وتحركات، وتضحيات، وأثمان دُفعت من المال والوقت والجهد، وسقط شهداء في مراحل مختلفة من مسيرة الدفاع عن حقوق حضرموت وقضايا أبنائها.
وهنا تحديدًا يكمن الفارق بين من يتحدث عن القضية ومن دفع ثمنًا من أجلها.
لسنا هنا بصدد منح صكوك احتكار للقضية، ولا نقول إن أحدًا يمتلك حضرموت أو يمثل كل أبنائها بمفرده؛ فحضرموت أكبر من الجميع، والتعدد السياسي والاجتماعي حق مشروع.
لكننا في المقابل نرفض أن تُعامل حضرموت وكأن تاريخها السياسي يبدأ مع كل مجلس جديد، أو أن تُختزل سنوات العمل والتضحيات في مجرد مرحلة يمكن تجاوزها ببيان تأسيسي جديد.
فماذا سيضيف المجلس التنسيقي؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة، بعيدًا عن المجاملات السياسية.
إذا كان الهدف هو توحيد الحضارم، فالتوحيد مرحب به.
وإذا كان الهدف هو جمع المكونات، فالجمع مطلب حضرمي أصيل.
وإذا كان الهدف هو الدفاع عن حقوق حضرموت، فلا أحد يختلف على ذلك.
لكن إذا كانت النتيجة هي إنشاء جسم جديد ينافس أجسامًا حضرمية قائمة، ويعيد إنتاج الخطاب ذاته، ويستهلك الوقت في الاجتماعات والندوات والبثوث والبيانات، دون أن يقدم إنجازًا جديدًا أو مسارًا عمليًا واضحًا، فهنا يصبح من حق الشارع الحضرمي أن يسأل:
إلى أين نحن ذاهبون؟
حضرموت لا ينقصها المزيد من المنصات الإعلامية، ولا المزيد من الطاولات التي يجلس حولها السياسيون.
حضرموت تحتاج إلى قرار يحمي مصالحها، ومشروع ينفذ، ومؤسسات تعمل، وموقف سياسي يمتلك أدوات التأثير، ونتائج يلمسها المواطن.
أما صناعة العناوين الكبيرة دون مضمون يوازيها، فلن تنتج إلا مزيدًا من التشظي السياسي وإرباك الشارع.
التمثيل لا يُصنع بالكاميرات
في السياسة، كثرة الوجوه لا تعني بالضرورة اتساع التمثيل، وكثرة الحضور في قاعة لا تعني وجود تفويض شعبي.
التمثيل الحقيقي يُبنى على التوافق والثقة والمواقف والتضحيات والإنجاز.
ولهذا، فإن أي جهة تقدم نفسها باعتبارها «الممثل الجامع» لحضرموت مطالبة بالإجابة عن أسئلة واضحة:
من منحها هذا التفويض؟
وما حجم التوافق حولها؟
وماذا ستقدم لحضرموت غير ما هو موجود أصلًا؟
وما النتائج التي تستطيع تحقيقها على الأرض؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة سياسية طبيعية في قضية بحجم حضرموت.
لا تختطفوا مشروعًا جاهزًا بالشعارات
المشكلة ليست في ظهور أي مكون حضرمي جديد؛ فالتعدد حق، والاختلاف طبيعي.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الجديد إلى محاولة لإقصاء القديم، أو عندما يُقدَّم المشروع المستحدث باعتباره الطريق الوحيد، بينما يتم تجاهل تجارب ومخرجات ومسارات حضرمية قائمة.
حضرموت ليست مختبرًا سياسيًا لتجربة كل مشروع جديد.
ومن أراد أن يقدم مشروعًا أفضل، فليتقدم به.
ومن يعتقد أن لديه رؤية أكثر قدرة على خدمة حضرموت، فليضعها أمام الناس.
ومن يملك تفويضًا شعبيًا حقيقيًا، فليثبت ذلك بالفعل لا بالشعارات.
أما أن تبقى القضية تدور في حلقة مفرغة من الاجتماعات والندوات والبثوث والبيانات، بينما تتراكم الملفات على المواطن، فذلك لن يقنع الشارع مهما ارتفع الصوت الإعلامي.
الأفعال ستكشف كل شيء
لن نحكم على المجلس التنسيقي من يومه الأول، ولن نضع في ذمته ما لم يفعله، كما أننا لن نمنحه ثقة مطلقة لمجرد إعلان تشكيله.
سنراقب.
سنراقب ماذا سيقدم.
سنراقب كيف سيتعامل مع المكونات الأخرى.
سنراقب هل سيجمع أم يفرق.
سنراقب هل سيضيف إلى القضية الحضرمية أم يعيد تدويرها.
وسنحكم عليه من خلال النتائج لا الشعارات.
فالأيام كفيلة بأن تكشف حقيقة كل مشروع، والسياسة لا ترحم المشاريع التي تعجز عن تحويل الكلام إلى أفعال.
وفي المقابل، فإن من يملك مشروعًا راسخًا ومواقف موثقة وتضحيات سابقة، ليس بحاجة إلى حملة علاقات عامة لإثبات وجوده؛ فالتاريخ والميدان هما شهيداه.
حضرموت أكبر من صراع الأشخاص
وفي خضم هذا السجال، يجب ألا تضيع القضية الأساسية.
حضرموت ليست ملكًا لحلف، ولا لمؤتمر، ولا لمجلس تنسيقي، ولا لحزب، ولا لشخص.
حضرموت لأبنائها.
وأي مشروع يدّعي خدمتها يجب أن يكون خادمًا لإرادتها، لا وصيًا عليها.
لكن في الوقت ذاته، فإن احترام إرادة الحضارم يقتضي احترام المشاريع التي ولدت من رحم مجتمعهم، وعدم القفز فوقها لمجرد أن هناك من يريد أن يبدأ المشهد من الصفر.
لسنا ضد التعدد.. نحن ضد اختزال القضية في تعدد الأطر.
ولسنا ضد الحوار.. نحن ضد أن يصبح الحوار غاية بلا نتائج.
ولسنا ضد أي مجلس.. نحن ضد أن تتحول المجالس إلى بديل عن العمل الحقيقي.
كلمة «هضبة نيوز»
نقولها بوضوح:
حضرموت لا تحتاج إلى من يبيعها الوهم، بل إلى من يضع أمامها الحقيقة.
ومن أراد أن ينافس في خدمة حضرموت، فليتنافس في الإنجاز.
ومن أراد أن يمثل الحضارم، فليحصل على ثقتهم.
ومن أراد أن يقود مشروعًا جديدًا، فليقدم كشف حساب واضحًا لما يستطيع فعله.
أما المشاريع التي تعيش على الضجيج السياسي وحده، فسرعان ما يسقط بريقها عندما يسأل الناس: ماذا تحقق؟
وفي النهاية، لن تنتصر حضرموت بكثرة البيانات، ولن تُبنى مكانتها بعدد الاجتماعات، ولن تُحفظ حقوقها بالكاميرات.
حضرموت تنتصر عندما يتقدم المخلصون، وتتراجع الحسابات الشخصية، وتتوحّد الكلمة حول مشروع حقيقي، وتتحول المطالب إلى قرارات، والقرارات إلى واقع.
والتاريخ وحده سيحكم.
فمن كان يحمل مشروعًا حقيقيًا سيبقى، ومن كان يحمل عنوانًا بلا مضمون سيسقط مهما طال به الزمن.
هضبة نيوز | صوت حضرموت حين تكون الحقيقة أهم من المجاملة.



