اخبار وتقارير

غياب عمرو.. حين سقطت الأقنعة وظهرت معادن الرجال حضرموت أولًا.. شعارٌ لا يكفي، والمواقف وحدها تكشف من يحمل القضية ومن يبحث عن المصلحة


حضرموت – هضبة نيوز – خاص
في السياسة، قد تصنع الكلمات صورةً جميلة، وقد ترفع الشعارات أصحابها إلى الواجهة، لكن الأزمات وحدها تكشف الحقيقة، والمواقف وحدها تكشف الرجال.
ومنذ غياب الشيخ عمرو بن حبريش العليي عن المشهد الحضرمي، شهدت الساحة السياسية والاجتماعية في حضرموت تحولات ومواقف تستحق التوقف عندها، خصوصًا من شخصيات ومكونات طالما تحدثت عن حقوق حضرموت، ورفعت شعار الدفاع عن إرادتها ومصالح أبنائها.
غياب الشيخ عمرو لم يكن مجرد غياب شخصية عن المشهد، بل كان أشبه بـ اختبار سياسي حقيقي للكثير من الوجوه والمواقف.
ففي اللحظة التي أصبحت فيها حضرموت أمام استحقاقات سياسية جديدة، ومع ظهور مشاريع ومكونات متعددة، وفي مقدمتها المجلس التنسيقي، بدأ المشهد يكشف تباينات واضحة في المواقف، وظهرت حسابات سياسية مختلفة، بعضها يُبرَّر تحت عنوان «حضرموت أولًا».
وهنا يبرز السؤال:
هل بقيت حضرموت فعلًا أولًا.. أم أصبح الشعار قابلًا للتفسير بحسب المصلحة والظرف السياسي؟
حضرموت قضية.. وليست ورقة للمصالح
من حق أي شخصية أو مكون أن يختلف سياسيًا، ومن حق الجميع أن يقدم رؤيته لمستقبل حضرموت.
لكن ما لا ينبغي أن يتحول إلى أمر طبيعي هو أن تصبح حقوق حضرموت ثابتة عندما تخدم موقفًا سياسيًا، ومتغيرة عندما تتعارض مع الحسابات والمصالح.
حضرموت ليست مشروعًا موسميًا، وليست ورقة تفاوض، وليست طريقًا للوصول إلى المناصب أو النفوذ.
حضرموت قضية ومبدأ.
ومن يؤمن بقضيتها يجب أن يكون ثابتًا على مبادئها في أوقات القوة والضعف، وفي حضور القيادات وغيابها، وفي لحظات التوافق والخلاف.
غياب عمرو كشف الكثير
ربما كان غياب الشيخ عمرو مؤلمًا على المستوى السياسي والاجتماعي، لكنه في الوقت ذاته أظهر حقيقة مهمة:
عندما يغيب الشخص، تظهر المواقف.
فمن كان يتحدث بالأمس عن وحدة الصف الحضرمي، هل ما زال اليوم متمسكًا بها؟
ومن كان يطالب بحقوق حضرموت، هل ما زال يضع هذه الحقوق فوق الحسابات السياسية؟
ومن كان يرفض الإقصاء، هل يقبل اليوم بإقصاء مكونات أخرى؟
هذه ليست أسئلة لتوزيع الاتهامات، وإنما أسئلة يطرحها الواقع نفسه.
فالسياسة لا تُقاس بما يقوله السياسي عندما تكون الظروف في صالحه، وإنما بما يفعله عندما يصبح أمام اختبار حقيقي.
المجلس التنسيقي.. اختبار جديد
ومع بروز المجلس التنسيقي على الساحة الحضرمية، دخلت المحافظة مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية.
والسؤال هنا ليس: من مع المجلس ومن ضده؟
بل السؤال الأهم:
هل يستطيع المجلس التنسيقي أن يكون مساحة جامعة لكل الحضارم، أم أنه سيصبح مشروعًا جديدًا يضاف إلى قائمة المشاريع المتنافسة على تمثيل حضرموت؟
حضرموت اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من المكونات المتنافسة بقدر حاجتها إلى صيغة توافقية تجمع الجميع.
فلا الحلف وحده يستطيع اختزال حضرموت، ولا الجامع وحده، ولا المجلس التنسيقي، ولا أي شخصية سياسية أو قبلية تستطيع أن تدعي امتلاك القرار الحضرمي منفردة.
الاختلاف لا يفسد القضية
الاختلاف بين أبناء حضرموت ليس المشكلة.
المشكلة أن يتحول الاختلاف إلى انقسام، والتعدد إلى صراع، والمنافسة إلى إقصاء.
يمكن أن تختلف المكونات في الوسائل والمشاريع، لكن يجب أن تتفق على أن حضرموت أكبر من الجميع.
والأهم أن تبقى حقوقها ومصالح أبنائها هي البوصلة التي تقود أي تحرك سياسي.
فمن يقول «حضرموت أولًا» عليه أن يثبت ذلك بالممارسة، لا بالكلمات.
حضرموت أولًا تعني أن المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية، وأن القضية فوق المكون، وأن المستقبل فوق الحسابات الآنية.
الرجال مواقف
هناك قاعدة لا تتغير:
الرجال مواقف.. والأزمات لا تصنع الرجال، وإنما تكشفهم.
وقد يكون غياب الشيخ عمرو قد فتح الباب أمام كثير من التحولات، لكنه في الوقت ذاته أعطى أبناء حضرموت فرصة لقراءة المشهد بعيدًا عن الشعارات.
فالمواقف التي اتخذتها الشخصيات والمكونات خلال هذه المرحلة ستبقى حاضرة في ذاكرة الناس، وستكون معيارًا للحكم على صدق الخطاب السياسي في المستقبل.
ليس المطلوب من الجميع أن يتفقوا مع الشيخ عمرو، ولا أن يتفقوا مع الحلف أو الجامع أو المجلس التنسيقي.
المطلوب فقط أن يكون الخلاف من أجل حضرموت، لا على حساب حضرموت.
كلمة للتاريخ
إن غياب الشيخ عمرو بن حبريش لا ينبغي أن يكون سببًا لمزيد من الانقسام، بل فرصة لمراجعة المشهد الحضرمي بأكمله.
فحضرموت بحاجة إلى قيادات تتسع للجميع، ومكونات تتكامل بدل أن تتصارع، ومشروع حضرمي جامع يحفظ الحقوق ويصون القرار ويمنع تحويل المحافظة إلى ساحة لتصفية الحسابات.
غياب عمرو كشف معادن الرجال، لكن الاختبار الحقيقي لم ينتهِ بعد.
فالمرحلة القادمة ستكشف أكثر:
من يعمل من أجل حضرموت؟
ومن يعمل من أجل مكونه؟
ومن يعمل من أجل موقعه؟
والإجابة لن تكون بالكلمات، بل بالمواقف.
حضرموت قضية.. حضرموت مبدأ.. وحضرموت أكبر من الأشخاص والمكونات.
والتاريخ لا يسجل من رفع الشعار فقط.. بل يسجل من ثبت عليه عندما جاءت لحظة الاختبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى