مجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات.. الخبر ما ترى وليس ما نسمع

تتزايد في الآونة الأخيرة الأخبار والتصريحات حول قرب إعلان المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات في حضرموت، وسط حملة إعلامية واسعة تحاول تقديم المجلس باعتباره مشروعًا جامعًا يمثل مختلف القوى والمكونات الحضرمية.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم: هل العبرة بما نسمعه من تصريحات، أم بما نراه على أرض الواقع؟
فحضرموت لا تحتاج إلى مجلس جديد يُعلن على عجل، ولا إلى مؤتمرات وندوات وورش عمل تكون مخرجاتها شكلية، بينما يتم استبعاد شخصيات ورجال كان لهم حضور حقيقي في الدفاع عن حضرموت، وقدموا التضحيات وتحملوا تبعات مواقفهم في أصعب الظروف.
وإذا كان المجلس قد جرى الإعداد له مسبقًا، كما يتردد، فإن استعجال الإعلان عنه بعد فترة قصيرة من التحضير والورش والندوات يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى جدية هذه العملية، وما إذا كانت تلك الفعاليات قد أسست فعلًا لمشروع حضرمي جامع، أم أنها جاءت لتوفير غطاء سياسي وإعلامي لهيكل كان قد أُعدت ملامحه مسبقًا.
النفط.. الاختبار الحقيقي
الاختبار الحقيقي لأي مجلس يدّعي تمثيل حضرموت لن يكون في البيانات ولا في الصور الجماعية، وإنما في المواقف من الملفات المصيرية.
وفي مقدمتها ملف النفط والثروة.
فمع الحديث عن استئناف أو استمرار تصدير نفط حضرموت، يبقى السؤال الذي ينتظر الحضارم إجابة واضحة عنه:
ما هي حقوق حضرموت من عائدات ثرواتها؟ ومن يضمن وصول هذه الحقوق إلى أبناء المحافظة؟ وما هي الآلية التي سيقف من خلالها المجلس أمام أي قرار لا يراعي مصالح حضرموت؟
إذا لم تكن هناك إجابات واضحة وملزمة، فإن الحديث عن تمثيل حضرموت سيبقى مجرد شعارات سياسية.
تجربة تتكرر؟
هناك من يرى أن المجلس التنسيقي الجديد قد يكون أمام خطر تكرار تجارب سابقة، من بينها تجربة المجلس الوطني، التي لم تحقق ما كان مأمولًا منها، وانتهت إلى التراجع وفقدان التأثير.
والسؤال هنا ليس من باب التشكيك المسبق، وإنما من باب الحرص على مستقبل حضرموت:
هل نحن أمام مشروع سياسي حضرمي حقيقي، أم أمام إعادة إنتاج تجربة جديدة بالأسماء نفسها والأدوات نفسها؟
فحضرموت لم تعد تحتمل تجارب سياسية تُولد وسط ضجيج إعلامي، ثم تختفي عندما تبدأ الاختبارات الحقيقية.
الحوثي يختبر المناطق المحررة
وفي الوقت الذي تنشغل فيه القوى السياسية في المناطق المحررة بترتيب مواقعها وتشكيل مجالسها، يواصل الحوثيون استهداف مواقع عسكرية في عدد من الجبهات والمناطق المحررة، في مشهد يطرح علامات استفهام حول قدرة الشرعية على التعامل مع هذا التصعيد.
وأمام استمرار هذه الهجمات، فإن الصمت أو ضعف الرد لا يخدم المناطق المحررة، بل يمنح الحوثيين مساحة للمناورة واستخدام التصعيد العسكري كورقة ضغط في مواجهة التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية.
وهنا يجب أن تكون الأولوية واضحة: حماية المناطق المحررة، وتعزيز الجبهات، وتوحيد القرار العسكري والسياسي، بدل الغرق في صراعات المكونات وتقاسم النفوذ.
حضرموت ليست غطاءً لتمرير القرارات
الخطر الأكبر أن يتحول المجلس التنسيقي إلى مجرد واجهة سياسية تُستخدم لتمرير قرارات تخص حضرموت تحت عنوان “التوافق الحضرمي”، بينما لا يكون هذا التوافق قد تحقق فعليًا على الأرض.
فإذا كان المجلس يمثل حضرموت فعلًا، فعليه أن يكون قادرًا على قول نعم عندما يكون القرار في مصلحة المحافظة، وقول لا عندما يتعارض مع حقوقها، مهما كان مصدر القرار.
أما أن يكون وجوده مجرد وسيلة لتوفير غطاء سياسي لقرارات جاهزة، فذلك سيجعل التجربة تفقد شرعيتها الشعبية منذ بدايتها.
حضرموت لا تحتاج إلى مجلس يكثر من الكلام، بل إلى مجلس تثبت مواقفه أنه قادر على حماية حقوقها.
والحكم في النهاية لن يكون من خلال المؤتمرات ولا البيانات ولا الحملات الإعلامية، وإنما من خلال المواقف.
فـالخبر ما ترى.. وليس ما نسمع.
وما ستراه حضرموت في ملفات النفط والثروة والأمن والقرار السياسي وحقوق أبنائها، هو وحده الذي سيحدد ما إذا كان المجلس التنسيقي الأعلى مشروعًا حقيقيًا يجمع الحضارم، أم تجربة جديدة ستذهب مع سابقاتها إلى مهب الرياح.



