من أين استمد السلطه المحليه حق إنشاء «مجلس التنسيقي »؟.. سؤال القانوني قبل سؤال السياسة

حين تتحول السلطة التنفيذية إلى طرف في تشكيل كيان سياسي.. أين تقف حدود الصلاحية؟
حضرموت – هضبة نيوز | مقال رأي
في خضم المشهد السياسي الحضرمي المتسارع، برز المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية باعتباره مشروعًا يرفع شعار جمع كلمة الحضارم وتوحيد صفوفهم والدفاع عن حقوق المحافظة.
وهي أهداف لا يختلف عليها اثنان من حيث المبدأ، فحضرموت بحاجة إلى وحدة الصف، والتوافق، وتوحيد الرؤية تجاه قضاياها وحقوق أبنائها.
لكن خلف هذا العنوان الكبير يبرز سؤال أكثر أهمية من كل الشعارات:
من أين استمدّ السلطه المحليه حق إنشاء هذا الكيان؟
السؤال ليس تشكيكًا في النوايا، ولا استهدافًا للأشخاص، وإنما هو سؤال قانوني ومؤسسي يتعلق بحدود صلاحيات المسؤول التنفيذي. السلطه المحليه ، وفق قانون السلطة المحلية، يملك اختصاصات واسعة في إدارة شؤون المحافظة، والإشراف على الأجهزة التنفيذية، وتنفيذ القوانين والسياسات العامة للدولة، ورئاسة المجلس المحلي للمحافظة.
لكن هل تمتد هذه الصلاحيات إلى إنشاء كيان سياسي جامع للقوى والمكونات الحضرمية، مستقل في تكوينه وقراراته عن السلطة المحلية؟
هنا تحديدًا يجب أن تكون الإجابة مستندة إلى نص قانوني واضح ومحدد.
قانون السلطة المحلية ليس تفويضًا مفتوحًا
القاعدة القانونية البسيطة تقول إن المسؤول العام لا يمارس سلطة من تلقاء نفسه، وإنما يمارسها في حدود الاختصاص الذي منحه له القانون.
وبالتالي، فإن مجرد الإشارة إلى قانون السلطة المحلية في قرار إنشاء المجلس لا تنهي الجدل.
السؤال الأدق هو:
أي مادة في القانون تمنح المحافظ صلاحية إنشاء كيان سياسي يضم الأحزاب والمكونات والقبائل والشخصيات المجتمعية، ويتحدث باسم حضرموت وقضاياها؟
فإذا كان المجلس لجنة تابعة للسلطة المحلية، فليُحدد موقعه في الهيكل الإداري، وصلاحياته، ومرجعيته.
أما إذا كان كيانًا سياسيًا مستقلًا، فهنا يصبح من الضروري توضيح سنده القانوني وطبيعة العلاقة بينه وبين السلطة التنفيذية.
مفارقة «استقلال القرار»
تزداد المسألة حساسية عندما يرفع الكيان شعار استقلال القرار الحضرمي، بينما يكون على رأسه مسؤول يشغل في الوقت نفسه منصبًا تنفيذيًا رسميًا.
وهنا لا يتعلق الأمر بالحكم على النوايا، وإنما بمبدأ مؤسسي مهم:
هل نحن أمام سلطة تنفيذية تشكل إطارًا تابعًا لها، أم أمام كيان سياسي مستقل عن السلطة التنفيذية؟
إذا كان الأول، فلابد من تحديد صفته القانونية.
وإذا كان الثاني، فلابد من بيان الأساس الذي يسمح لمسؤول تنفيذي بإنشاء ورئاسة كيان سياسي مستقل.
وهذه ليست مسألة شكلية؛ لأن وضوح الصفة القانونية لأي كيان يمثل جزءًا أساسيًا من سلامة عمله ومصداقيته.
ومن يمثل حضرموت؟
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل اجتماع عدد من المكونات والشخصيات يكفي للقول إن المجلس يمثل حضرموت؟
حضرموت ليست مكونًا واحدًا، ولا لونًا سياسيًا واحدًا، ولا تتوقف قضيتها على مجلس واحد.
هناك مكونات وأطر حضرمية قائمة، ولها حضور سياسي واجتماعي، وفي مقدمتها حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، إلى جانب قوى وشخصيات ومكونات أخرى.
ولهذا فإن أي مشروع يرفع شعار «جمع كلمة الحضارم» يجب أن يكون قائمًا على التوافق الحقيقي، لا على صناعة جسم جديد في مواجهة أجسام موجودة.
فالوحدة لا تُفرض بقرار، والتمثيل لا يُكتسب بمجرد إعلان التأسيس.
المطلوب كشف السند.. لا تبادل الاتهامات
إن أقوى ما يمكن أن يقدمه القائمون على المجلس للرأي العام ليس البيانات السياسية، وإنما الوثائق القانونية.
فليُعلن بوضوح:
- ما طبيعة المجلس القانونية؟
- هل هو تابع للسلطة المحلية أم مستقل عنها؟
- ما النص القانوني الذي يمنح المحافظ صلاحية إنشاءه؟
- ما النظام الأساسي الذي يحكم عمله؟
- من منح أعضاءه تفويض تمثيل المكونات التي يتحدث باسمها؟
- ما حدود صلاحياته؟
- وما علاقته بالمكونات الحضرمية القائمة؟
عندها يمكن للرأي العام أن يحكم بعيدًا عن التخوين والتشكيك.
حضرموت تحتاج إلى توافق لا إلى تعدد المظلات
لقد عرفت حضرموت خلال السنوات الماضية العديد من المبادرات والمجالس والمكونات التي رفعت شعارات جمع الكلمة والدفاع عن الحقوق.
لكن كثرة العناوين لا تعني بالضرورة وحدة الصف.
المطلوب اليوم ليس مجلسًا ضد مجلس، ولا مكونًا في مواجهة مكون، ولا مشروعًا لإزاحة مشروع آخر.
المطلوب صيغة حضرمية واسعة تجمع ولا تقصي، وتنسق ولا تستبدل، وتحترم المكونات القائمة، وتضع المواطن وحقوق حضرموت في مقدمة الأولويات.
فإذا كان المجلس التنسيقي مشروعًا قانونيًا وسياسيًا جامعًا، فليُظهر سنده بوضوح. وإذا كان إطارًا تشاوريًا، فليحدد حدود دوره. وإذا كان تابعًا للسلطة المحلية، فليعلن صفته المؤسسية.
أما ترك هذه الأسئلة بلا إجابات، فلن يؤدي إلا إلى زيادة الجدل حول شرعيته وطبيعة تمثيله.
في حضرموت، قبل أن نسأل: من يمثلنا؟ يجب أن نسأل أولًا: من يملك قانونًا حق إنشاء من يمثلنا؟
هضبة نيوز | مقال رأي



