حضرموت في مفترق الطرق.. أزمة تعدد الأصوات وغياب القرار الجامع

لم تعد حضرموت اليوم مجرد محافظة تعاني من مشكلات خدمية أو اقتصادية، بل أصبحت قضية سياسية بامتياز، تتقاطع فيها الجغرافيا مع الثروة، والتاريخ مع المستقبل، والمطالب المحلية مع المشاريع الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن قراءة واقع حضرموت لا يمكن أن تتم من خلال الشعارات، ولا عبر اختزال المشهد في طرف واحد أو مكون واحد، فحضرموت أكبر من أن تختصر في شخصية، أو حزب، أو قبيلة، أو مشروع سياسي منفرد.
المشكلة الحقيقية التي تواجه حضرموت اليوم ليست غياب القيادات، بل تعدد القيادات وتضارب الرؤى وغياب الموقف السياسي الجامع.
كل طرف يتحدث باسم حضرموت، وكل مكون يرى أنه الأحق بتمثيلها، وكل قيادة تمتلك جزءًا من المشهد، لكن لا أحد يستطيع بمفرده أن يدعي امتلاك حضرموت كلها.
وهنا تكمن المعضلة.
فحضرموت ليست منطقة هامشية في المعادلة اليمنية. موقعها الجغرافي، ومساحتها، وثرواتها، وساحلها، وواديها، وتاريخها، يجعلها واحدة من أهم مفاتيح أي تسوية سياسية قادمة في اليمن.
لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة امتلاك القوة السياسية.
القوة الحقيقية لا تصنعها الثروة وحدها، ولا الجغرافيا وحدها، ولا كثرة البيانات والتصريحات، بل تصنعها وحدة الموقف، ووضوح الرؤية، والقدرة على التفاوض من موقع متماسك.
وهذا هو التحدي الأكبر أمام حضرموت.
ففي الوقت الذي تتسابق فيه الأطراف المختلفة لتقديم مشاريعها ورؤاها، لا تزال حضرموت بحاجة إلى إجابة واضحة عن سؤال جوهري:
ماذا تريد حضرموت؟
هل تريد إدارة ذاتية؟
هل تريد إقليمًا كامل الصلاحيات في إطار يمن اتحادي؟
هل تريد شراكة حقيقية في السلطة والثروة؟
هل تريد تمثيلًا سياسيًا مستقلًا؟
أم أن كل هذه المطالب مطروحة في وقت واحد دون صياغة سياسية واحدة يمكن الدفاع عنها؟
إن استمرار تعدد الرؤى دون الوصول إلى أرضية مشتركة سيجعل حضرموت ساحة مفتوحة للآخرين، وستظل الأطراف الخارجية أكثر قدرة على استثمار الانقسام الحضرمي من قدرة الحضارم على استثمار عناصر قوتهم.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
اختلاف الحضارم ليس مشكلة، لكن تحويل الاختلاف إلى صراع دائم هو المشكلة.
فالتنوع السياسي والاجتماعي في حضرموت يمكن أن يكون مصدر قوة، إذا تحول إلى شراكة حقيقية، لكنه يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح كل طرف مشروعًا منفصلًا عن الآخر.
حضرموت اليوم بحاجة إلى الانتقال من مرحلة تعدد الأصوات إلى مرحلة توحيد الموقف.
ولا يعني ذلك إلغاء المكونات، أو فرض قيادة واحدة على الجميع، أو مطالبة الجميع بالتخلي عن قناعاتهم. بل يعني بناء إطار سياسي حضرمي جامع، يستوعب الجميع، ويحدد الثوابت التي لا خلاف عليها، ويترك مساحة الاختلاف في التفاصيل.
فليس من المنطقي أن يختلف الحضارم على كل شيء، بينما يتفقون جميعًا على أن حضرموت تستحق الأمن، والعدالة، والشراكة، وإدارة مواردها، وتمثيلها الحقيقي في أي تسوية سياسية قادمة.
هذه هي القاعدة التي يجب أن يبدأ منها الحوار.
حضرموت لا تحتاج إلى مزيد من القيادات التي تتنافس على الظهور، بل تحتاج إلى قيادات قادرة على صناعة التوافق.
ولا تحتاج إلى مزيد من البيانات التي ترفع سقف الخطاب، بل إلى مشروع سياسي واضح يستطيع أن يتحول إلى برنامج عمل.
ولا تحتاج إلى من يقول: أنا وحدي أمثل حضرموت، بل تحتاج إلى من يؤمن بأن حضرموت لا يمكن أن يمثلها طرف واحد.
إن مستقبل حضرموت لن يُحسم بكثرة الصياح، ولا بكثرة الشعارات، ولا بمن يسبق الآخرين إلى إعلان موقفه.
سيُحسم عندما يدرك الجميع أن قوة حضرموت في وحدتها السياسية، وأن ثروتها الحقيقية ليست في النفط والغاز فقط، بل في قدرتها على الاتفاق على مشروع يحمي مصالحها ويضمن لأبنائها مكانتهم المستحقة.
فإذا بقيت حضرموت متعددة الأصوات، متناقضة المواقف، متنافسة القيادات، فإن الآخرين سيقررون مستقبلها.
أما إذا نجحت في بناء موقف حضرمي جامع، فإنها لن تكون مجرد طرف ينتظر ما يقرره الآخرون، بل ستصبح طرفًا رئيسيًا في صناعة مستقبل اليمن.
والسؤال اليوم ليس: من هو قائد حضرموت؟
بل السؤال الأهم:
هل تستطيع قيادات حضرموت أن تتفق على مشروع يجعل حضرموت أقوى من الأشخاص؟
هنا يبدأ الطريق الحقيقي.
حضرموت لا تحتاج إلى قائد واحد يلغي الآخرين، ولا إلى سبعة قادة يتصارعون على الصوت الأعلى… حضرموت تحتاج إلى مشروع واحد يجمع الجميع.



