اخبار وتقارير

سماسرة النهب والفساد.. أخطر من الفاسدين أنفسهم

ليس كل فساد يبدأ بتوقيع مسؤول، ولا كل عملية نهب تتم بقرار معلن. ففي كثير من ملفات العبث بالمال العام، وإهدار الحقوق، وتعطيل مصالح الناس، يقف خلف المشهد أشخاصٌ لا يظهرون في الواجهة، لكنهم يتحركون في الظل، ويصنعون النفوذ، ويديرون المصالح، ويحوّلون الوساطة إلى تجارة، والعلاقات إلى شبكة مكاسب.

إنهم سماسرة الفساد؛ أولئك الذين جعلوا من النفوذ وسيلة، ومن القرب من المسؤولين سلعة، ومن المصلحة العامة طريقًا لتحقيق مصالحهم الخاصة.

هؤلاء أخطر من الفاسد الظاهر؛ لأن الفاسد قد يُكتشف ويُحاسب، أما السمسار فيتحرك خلف الستار، يزيّن الباطل، ويبرر الخطأ، ويقرّب غير الأكفاء، ويقصي أصحاب الكفاءة، ويقدم الولاءات على النزاهة، والمجاملة على المصلحة العامة.

إن أخطر ما يفعله سماسرة الفساد ليس فقط الاستيلاء على المال أو تعطيل المشاريع، بل قتل الأمل في نفوس الشرفاء. فعندما يرى صاحب الكفاءة أن الفرص تُمنح لمن يملك واسطة، وأن المواقع تُوزع على أساس الولاء والمصلحة، وأن النزاهة أصبحت عبئًا، يبدأ الإحباط بالتسلل إلى النفوس، وتبدأ الثقة بالمؤسسات في الانهيار.

الوطن لا ينهكه الفقر وحده، بل ينهكه أيضًا غياب العدالة، وغياب الشفافية، وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة. فحين تنتشر السمسرة والمحسوبية، تتراجع التنمية، تتعطل المشاريع، تضيع الحقوق، وتزداد معاناة المواطن البسيط.

ولذلك فإن مكافحة الفساد لا تكون بالشعارات ولا بالبيانات، بل بإغلاق الأبواب أمام سماسرة النفوذ، وتعزيز الشفافية، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وتمكين الكفاءات، ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه، مهما كان موقعه أو نفوذه.

إن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الفاسد الذي ينهب المال العام، بل أيضًا ضد من يفتح له الطريق، ويغطي عليه، ويبرر أفعاله، ويستفيد من وجوده.

فالأوطان لا تنهض إلا حين تكون الأمانة معيارًا، والكفاءة أساسًا، والقانون فوق الجميع، وحين يصبح المنصب مسؤولية لا غنيمة، وخدمة الناس شرفًا لا وسيلة للثراء والنفوذ.

اللهم احفظ أوطاننا من الفساد وأهله، وأعن كل مسؤول مخلص على أداء الأمانة، وارزق شعوبنا العدل والشفافية، واجعل خدمة الناس شرفًا ومسؤولية، لا وسيلةً للثراء أو النفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى