أين ذهبت الموارد؟ أين عائدات النفط والغاز؟ كيف أُديرت الإيرادات؟ وما الذي عاد على المواطن من ثروات محافظته؟

ليست هذه مجرد أسئلة عابرة، ولا عبارات تُقال في لحظة غضب، بل أسئلة وطنية مشروعة تتردد منذ سنوات في الشارع اليمني، وتزداد إلحاحًا كلما اتسعت الفجوة بين ما تملكه البلاد من ثروات وموارد، وبين ما يعيشه المواطن من أزمات متراكمة في الكهرباء والخدمات والمعيشة.
ففي الوقت الذي تُستخرج فيه الثروات من الأرض، وتتحرك الموارد، وتُعلن الخطط والبرامج، يبقى المواطن أمام سؤال جوهري لا يجد إجابة واضحة:
أين تذهب هذه الموارد؟ ومن يملك حق معرفة مصيرها؟
هنا تبرز الحاجة إلى فتح ما يمكن تسميته بـ «الصندوق الأسود اليمني»؛ ليس من أجل تصفية الحسابات، ولا لفتح معارك سياسية جديدة، ولا لتوجيه اتهامات مسبقة، وإنما من أجل وضع الحقائق أمام الشعب، وكشف مسار الموارد والإيرادات، وتحديد المسؤوليات وفق القانون.
فالمشكلة ليست في السؤال، بل في أن يبقى السؤال بلا إجابة.
إن المال العام ليس ملكًا لمسؤول، ولا لحكومة، ولا لحزب، ولا لجماعة سياسية. إنه ملك للشعب، وإدارته مسؤولية عامة يجب أن تخضع للشفافية والرقابة والمساءلة.
ومن حق المواطن اليمني، وفي مقدّمته المواطن الحضرمي، أن يعرف:
كم بلغت الإيرادات؟ أين أُودعت؟ كيف أُنفقت؟ وما نصيب المحافظات المنتجة من ثرواتها؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني إدانة أحد، ولا يمثل خروجًا على الدولة، بل هو أحد أهم مظاهر المواطنة والرقابة الشعبية. فالدولة التي تثق بمؤسساتها لا تخشى كشف الأرقام، ولا تخشى نشر التقارير، ولا تعتبر المطالبة بالشفافية تهديدًا لها.
لكن عندما تغيب المعلومات، تتسع مساحة الشك. وعندما تُغلق الملفات، تنتشر الروايات. وعندما لا يجد المواطن إجابة رسمية، تصبح الشائعة أحيانًا أكثر حضورًا من الحقيقة.
لقد ملّ المواطن اليمني من الوعود التي لا تتحول إلى واقع، ومن البيانات التي تتحدث عن الإنجازات بينما تتراجع الخدمات، وتنقطع الكهرباء، وترتفع الأسعار، وتتسع معاناة الناس.
المواطن اليوم لا يريد مزيدًا من الخطابات.
إنه يريد أن يعرف الحقيقة.
يريد أن يعرف كيف تُدار ثروات بلاده، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق، ولماذا لم تنعكس الموارد على حياة الناس، ولماذا تتكرر الأزمات دون حلول حقيقية ومستدامة.
إن فتح الملفات لا يعني إدانة مسبقة، كما أن المطالبة بالمحاسبة لا تعني الانتقام. العدالة وحدها هي التي تحدد المسؤولية، والوثائق وحدها هي التي تثبت الحقائق، والقضاء وحده هو صاحب الكلمة الفصل.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم هو فتح الملفات بصورة مؤسسية، ونشر التقارير المالية والإدارية، وتمكين الأجهزة الرقابية والقضائية من القيام بدورها، بعيدًا عن الضغوط السياسية والنفوذ والمصالح الشخصية.
فكل من تولى مسؤولية عامة يجب أن يكون مستعدًا للإجابة عن فترة مسؤوليته:
ماذا تسلّم؟ ماذا أنجز؟ ماذا تعثر؟ ولماذا تعثر؟ وكيف أُديرت الموارد خلال فترة وجوده في المنصب؟
هذه ليست محاكمة سياسية، بل قاعدة أساسية في إدارة الشأن العام:
من يتحمل المسؤولية يجب أن يكون مستعدًا للمساءلة.
إن اليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الغموض، ولا إلى المزيد من الملفات المغلقة. إنه يحتاج إلى الشجاعة السياسية والمؤسسية لفتح الملفات، وكشف الحقائق، ومراجعة الحسابات، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، وإنصاف من أدى واجبه.
افتحوا الصندوق الأسود اليمني.
ليس لأن كل ما بداخله فساد، بل لأن الشعب من حقه أن يعرف الحقيقة.
دعوا الوثائق تتحدث، والأرقام تُراجع، والرقابة تقوم بدورها، والقضاء يقول كلمته، والتاريخ يسجل.
فالدولة القوية لا تخشى الأسئلة، بل تمتلك الشجاعة لتقديم الإجابات.
والأوطان لا تُبنى بالغموض، ولا تُدار بالصمت، ولا تستعيد ثقة شعوبها إلا بالشفافية والعدالة والمحاسبة.



