حرب اليمن.. من يربح من نزيف وطن؟ حين يدفع المواطن الثمن ويصعد تجّار الأزمات

في اليمن، لم تعد الحرب مجرد مواجهات عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى منظومةٍ معقدة تتشابك فيها السياسة بالاقتصاد، والنفوذ بالثروة، والمصالح بمعاناة ملايين اليمنيين.
وبينما يواصل المواطن دفع ثمن الحرب من أمنه وراتبه وغذائه ومستقبل أبنائه، يبرز السؤال الأكثر إيلامًا: من المستفيد من استمرار هذا النزيف؟
منذ سنوات، يعيش اليمني بين أزمات متلاحقة: عملة تتراجع، أسعار ترتفع، خدمات تتدهور، رواتب تنقطع، وفرص عمل تتلاشى. وفي المقابل، تحولت الحرب إلى بيئة خصبة لتجار الأزمات، وسماسرة النفوذ، وشبكات الفساد، وكل من يجد في الفوضى فرصة لتعظيم نفوذه وثروته.
الحرب لا تقتل بالرصاص وحده؛ فهناك حربٌ أخرى تُدار عبر الاقتصاد، والاحتكار، وتهريب الموارد، وغياب الرقابة، وتحويل المال العام والثروات الوطنية إلى أدواتٍ للصراع السياسي.
وفي بلدٍ يمتلك ثرواتٍ طبيعية وموقعًا استراتيجيًا مهمًا، يبقى المواطن عاجزًا عن الحصول على أبسط حقوقه: كهرباء مستقرة، راتب منتظم، علاج مناسب، وتعليم آمن. وهنا تتضاعف المأساة: بلدٌ غني بالموارد، وشعبٌ يعيش الفقر والحاجة.
إن استمرار الحرب لا يعني فقط استمرار القتال، بل يعني استمرار اقتصادٍ قائم على الأزمة. فكلما طال أمد الصراع، اتسعت دائرة المستفيدين من الفوضى، بينما تضيق دائرة الأمل أمام المواطن.
لكن الحقيقة التي يجب ألا تُنسى هي أن اليمنيين جميعًا، في نهاية المطاف، هم الخاسر الأكبر. فالحرب استنزفت الدولة، وبددت الموارد، وعمقت الانقسامات، وأضعفت الاقتصاد، ودفعت ملايين المواطنين إلى الفقر والنزوح والبحث عن لقمة العيش.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر في الحرب؟
بل يجب أن يكون:
من الذي سيدفع ثمنها؟ ومن الذي سيحاسب من جعل من معاناة اليمنيين تجارةً رابحة؟
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من أمراء الحرب، ولا إلى تجار الأزمات، ولا إلى صفقات تُبرم فوق آلام الناس. اليمن يحتاج إلى سلامٍ عادل، ودولةٍ قوية، ومؤسساتٍ شفافة، وإدارةٍ مسؤولة للموارد، ومحاسبةٍ حقيقية لكل من استغل الحرب للإثراء أو النفوذ.
فبعد كل هذه السنوات، يجب أن تكون الأولوية واضحة:
إنقاذ المواطن قبل إنقاذ المصالح، وبناء الدولة قبل تقاسم النفوذ، وإنهاء الحرب قبل أن يصبح استمرارها مصلحةً دائمة لبعض المستفيدين.
في اليمن، قد يكون هناك من يربح من الحرب… لكن المواطن هو من يدفع الفاتورة.



