الجنوب العربي.. من أين جاءت التسمية؟ وأين كانت حضرموت من خريطة المحميات البريطانية؟

هضبة نيوز | قراءة تاريخية وسياسية
عند العودة إلى تاريخ جنوب الجزيرة العربية خلال فترة الاستعمار البريطاني، يبرز سؤال مهم يستحق النقاش والتوثيق: من أين جاءت تسمية «الجنوب العربي»؟ وما علاقتها بحضرموت، التي عرفت تاريخياً بسلطناتها وكياناتها السياسية والاجتماعية المستقلة؟
إن فهم هذه التسمية لا يكتمل من خلال الشعارات السياسية المعاصرة وحدها، بل يتطلب العودة إلى الخرائط والوثائق والاتفاقيات التي رسمت طبيعة الوجود البريطاني في المنطقة، والتمييز بين عدن والمحميات الغربية من جهة، والسلطنات الحضرمية من جهة أخرى.
أولاً: الجنوب العربي.. سياق تاريخي وسياسي
ارتبط مصطلح «الجنوب العربي» بسياق سياسي ظهر بوضوح خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، في ظل الوجود البريطاني في عدن والمناطق المحيطة بها، ولا سيما مع قيام اتحاد إمارات الجنوب العربي عام 1959، الذي توسع لاحقاً، وتغيير اسم مستعمرة عدن إلى جزء من هذا الكيان الاتحادي قبيل الاستقلال.
لكن من الضروري تاريخياً عدم اختزال جميع الكيانات التي كانت تقع جنوب شبه الجزيرة العربية في إطار واحد؛ فقد كانت المنطقة تضم مستعمرة عدن، ومحميات بريطانية متعددة، وسلطنات ومشيخات لها أنظمتها السياسية وعلاقاتها الخاصة ببريطانيا.
ومن هنا، فإن استخدام المصطلح اليوم بوصفه تعبيراً سياسياً عن هوية موحدة لا يعني بالضرورة أن جميع مناطق الجنوب الحالية كانت جزءاً من الكيان الإداري نفسه في الحقبة الاستعمارية.
ثانياً: أين كانت حضرموت من هذه التسمية؟
كانت حضرموت تتمتع بخصوصية تاريخية وسياسية واضحة، إذ قامت فيها سلطنتان بارزتان هما السلطنة القعيطية، التي اتخذت من المكلا مركزاً لها، والسلطنة الكثيرية، التي ارتبطت بسيئون ومناطق وادي حضرموت.
وقد اختلف الوضع السياسي والإداري لهاتين السلطنتين عن وضع مستعمرة عدن واتحاد إمارات الجنوب العربي. وكانت العلاقات البريطانية مع الكيانات الحضرمية قائمة على ترتيبات واتفاقيات خاصة، وهو ما يجعل دراسة موقع حضرموت في تلك المرحلة ضرورة لفهم تاريخها السياسي بصورة دقيقة.
وعليه، فإن القول إن حضرموت لم تكن جزءاً من اتحاد إمارات الجنوب العربي بصورته التاريخية المعروفة يحتاج إلى وضعه في سياقه الصحيح: فعدم انضمام السلطنتين القعيطية والكثيرية إلى ذلك الاتحاد لا يعني أن حضرموت كانت خارج كل أشكال النفوذ أو الارتباط البريطاني.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين الوجود الاستعماري، والارتباط بالحماية البريطانية، والانضمام إلى كيان اتحادي سياسي محدد؛ فهي مفاهيم مختلفة لا يصح التعامل معها باعتبارها شيئاً واحداً.
ثالثاً: ما بعد الاستقلال.. التحولات التي شهدتها حضرموت
مع استقلال جنوب اليمن في 30 نوفمبر 1967، دخلت حضرموت مرحلة سياسية جديدة انتهت بزوال السلطنتين القعيطية والكثيرية وقيام دولة ذات نظام جمهوري ذي توجه اشتراكي.
وقد شهدت تلك المرحلة تحولات عميقة في البنية السياسية والعسكرية والاجتماعية، شملت إنهاء الأنظمة السلطانية، وإعادة تشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية، وتغييرات واسعة في الملكية والإدارة وموازين القوى الاجتماعية.
ويرى منتقدون لتلك المرحلة أن السياسات التي اتبعتها السلطة الجديدة ألحقت أضراراً بالتركيبة الاجتماعية الحضرمية، وأدت إلى تراجع نفوذ القبائل وبعض الشخصيات الدينية والاجتماعية، فضلاً عن نزاعات ومظالم مرتبطة بالأراضي والممتلكات.
كما تتداول روايات محلية اتهامات بشأن عمليات قتل واعتقالات ومصادرة ممتلكات خلال تلك التحولات. وتظل دراسة هذه الوقائع بحاجة إلى توثيق كل حادثة على حدة، بالاستناد إلى الشهادات والوثائق والسجلات التاريخية، حتى لا تختلط الوقائع المثبتة بالتفسيرات السياسية اللاحقة.
إن إنصاف حضرموت تاريخياً لا يكون بتجاهل ما تعرض له أبناؤها من مظالم، ولا بتعميم المسؤولية على منطقة أو جماعة سكانية بأكملها، بل بتحديد المسؤوليات السياسية والعسكرية وفق الوقائع والأدلة.
رابعاً: لماذا يُستخدم مصطلح الجنوب العربي اليوم؟
عاد مصطلح «الجنوب العربي» إلى التداول في الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر، ومن ذلك استخدامه لدى أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي وبعض النشطاء، بوصفه تعبيراً عن مشروع سياسي وهوية جنوبية يرونها مناسبة لمستقبل المنطقة.
غير أن استدعاء تسمية تاريخية من مرحلة الاستعمار لا يحسم وحده النقاش بشأن هوية حضرموت أو شكل الدولة التي ينبغي أن تكون عليها المنطقة مستقبلاً.
فحضرموت تمتلك تاريخاً سياسياً واجتماعياً خاصاً، وموروثاً حضارياً وثقافياً عريقاً، وتجربة مختلفة عن تجارب مناطق أخرى. ولذلك، فإن من حق أبناء حضرموت مناقشة موقعهم في أي مشروع سياسي، والمطالبة بضمانات واضحة لتمثيلهم وإدارة شؤونهم وحماية مصالحهم ومواردهم.
ولا يصح أن تتحول المصطلحات التاريخية إلى وسيلة لفرض رواية سياسية واحدة على الجميع، كما لا ينبغي أن يكون الخلاف حول التسمية سبباً للعداء بين أبناء المناطق المختلفة.
خامساً: حضرموت.. التاريخ لا يُختزل في تسمية
إن القضية الأساسية ليست مجرد اختيار اسم سياسي، بل فهم التاريخ الذي نشأت فيه هذه الأسماء، والاعتراف بالتنوع الذي عرفته المنطقة، واحترام خصوصية حضرموت وحق أبنائها في التعبير عن تطلعاتهم السياسية.
فحضرموت ليست مجرد مساحة جغرافية تُضاف إلى مشروع سياسي، بل مجتمع له ذاكرته وتاريخه ومؤسساته وتقاليده، وقد مر بتحولات كبرى لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن مستقبله.
ومن هنا، فإن أي نقاش جاد حول «الجنوب العربي» يجب أن يبدأ من الوثائق التاريخية، لا من الشعارات وحدها، وأن يميز بين الحدود الإدارية القديمة والتصورات السياسية الحديثة، وأن يتيح للحضارم التعبير عن رؤيتهم بحرية ومسؤولية.
الخلاصة: إن فهم تسمية «الجنوب العربي» يقتضي العودة إلى ظروف نشأتها السياسية في الحقبة البريطانية، وفهم موقع حضرموت وسلطناتها في ذلك السياق، ثم قراءة التحولات التي أعقبت استقلال 1967. أما مستقبل حضرموت وهويتها السياسية، فلا تحسمه تسمية تاريخية بمفردها، بل يحدده النقاش الحر والخيارات التي يعبر عنها أبناؤها، في إطار يحفظ حقوقهم وخصوصيتهم وعلاقاتهم مع محيطهم.



