عدن اليوم.. ما حذّر منه الميسري منذ سنوات أصبح واقعا

تمر العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة بمرحلة هي الأصعب منذ سنوات. فالأزمات الخدمية تتفاقم، والانقطاعات المتكررة للكهرباء أصبحت جزءاً من حياة المواطنين اليومية، بينما تتراجع قيمة العملة وتتآكل القدرة الشرائية، وتزداد معاناة الناس في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية قاسية.
ورغم استمرار الدعم الخارجي خلال فترات متفرقة، وعلى رأسه الدعم الذي تقدمه المملكة العربية السعودية في الجوانب الاقتصادية والإنسانية، إلا أن التحدي الحقيقي لا يزال مرتبطاً بقدرة المؤسسات المحلية على إدارة الموارد وتحويل هذا الدعم إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وخلال انقلاب المجلس الانتقالي المدعوم خارجياً على مؤسسات الدولة في عدن والمحافظات المحررة، وسيطرة قواته على عدد من هذه المؤسسات، تعرضت البنية المؤسسية للدولة لاهتزاز كبير انعكس بشكل مباشر على مستوى الخدمات العامة والأمن والإدارة.
يرى كثير من المراقبين أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالإمكانات أو الموارد فقط، بل بغياب رجل الدولة القادر على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، والدعم إلى مشاريع، والوعود إلى واقع ملموس.
وفي هذا السياق، يستحضر كثيرون خطابات أحمد الميسري الشهيرة عندما كان يتحدث عن خطورة المساس بمؤسسات الدولة خلال فترات الاضطراب السياسي، حيث كان يحذر من انهيار هيبة الدولة وتفكك مؤسساتها في حال استمرار الصراع على القرار وتعدد مراكز النفوذ. وكانت رسالته الأساسية أن الدولة لا يمكن أن تُدار خارج إطارها المؤسسي، وأن أي خلل سينعكس مباشرة على حياة المواطن ومعيشته.
واليوم، ومع تعمق الأزمات، يرى البعض أن كثيراً مما حذر منه الميسري قد أصبح واقعاً؛ إذ لم تعد مؤسسات الدولة تمتلك هيبتها الكاملة، وتراجع أداء العديد من الأجهزة الإدارية والخدمية، في ظل شكاوى متزايدة من الفساد وسوء الإدارة وضعف تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
وعندما يُطرح الحديث عن رجال الدولة، يعود اسم أحمد الميسري إلى واجهة النقاش الشعبي والسياسي. فالرجل الذي شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية لم يكن مجرد مسؤول إداري، بل كان صوتاً حاضراً في القضايا الوطنية، ومدافعاً عن مؤسسات الدولة وحقوق المواطنين.
خلال فترة وجوده في السلطة، ارتبط اسمه بخطاب سياسي ركز على حماية الدولة ومؤسساتها وتعزيز القرار الوطني، كما عرف بحضوره المستمر في القضايا التي تمس حياة المواطنين ومعاناتهم اليومية.
لقد مرت سنوات على مغادرته لمناصب الدولة، وخلال هذه الفترة لم تتراجع الأزمات فحسب، بل ازدادت تعقيداً، وهو ما جعل كثيراً من المواطنين يقارنون بين الماضي والحاضر، ويستحضرون نماذج يرون فيها القدرة على الإدارة وتحمل المسؤولية.
إن الشعوب في أوقات الأزمات لا تبحث عن كثرة المسؤولين ولا تعدد المناصب، بل تبحث عن رجل دولة قادر على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وشخص يمتلك إرادة وطنية صادقة تنطلق من انتماء حقيقي، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
ومن هذا المنطلق، تبرز الدعوات المتزايدة التي تنادي بعودة أحمد الميسري إلى واجهة العمل السياسي والوطني، باعتبار أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى شخصيات تمتلك الخبرة السياسية والإدارية، وتتمتع بحضور شعبي وقدرة على فهم احتياجات الشارع والتعامل مع التحديات.
وفي ظل استمرار تدهور الخدمات وتفاقم الأوضاع المعيشية، يظل السؤال مطروحاً بقوة: هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى عودة رجال دولة من طراز أحمد الميسري؟ سؤال يعكس حجم الأزمة، ويعبر عن رغبة لدى شريحة من المواطنين في رؤية إدارة أكثر فاعلية قادرة على استعادة هيبة مؤسسات الدولة وبناء الثقة بين الشعب والدولة ومؤسساتها، ويستحضر الشارع في عدن هذه التحذيرات في ظل الواقع الحالي
سالمين علي صالح
كاتب
بروكسل – بلجيكا
مؤسس المركز الثقافي اليمني البلجيكي



